ترى مروة عزب، أن الاعتقاد السائد بأن الأزمات تكشف حقيقة الإنسان الكامنة قد يحتاج إلى إعادة نظر؛ فحين يتعرض شخص لضغط شديد، لا يرى الآخرون بالضرورة شخصيته الحقيقية، وإنما قد يرون نسخة مؤقتة منها أعاد الضغط النفسي تشكيلها.

 

ويعتقد كثيرون أن الشخصية سمة مستقرة؛ فإذا كان شخص ما انطوائيًا، على سبيل المثال، فمن الطبيعي أن يتصرف دائمًا بوصفه انطوائيًا. لكن دراسات حديثة حول الشخصية تشير إلى أن الإنسان قد يتصرف بصورة مختلفة عن المعتاد عندما يواجه ظروفًا ضاغطة، وهو ما تؤكده نتائج بحث جديد.


وذكرت سايكولوجي توداي أن دراسة أجرتها سامانثا جرايسون وجابرييلا هاراري وساندرا ماتز بحثت في تأثير الضغط النفسي على «حالات الشخصية»، أي الطريقة التي تظهر بها سمات الشخصية لحظة بلحظة، بالاستناد إلى نموذج السمات الشخصية الخمس الكبرى، وهي الانبساط والانفتاح والضمير الحي والتوافق والعصابية.


يشير الانبساط إلى ارتفاع مستوى التفاعل الاجتماعي والطاقة والدفء والميل إلى البحث عن التحفيز في العالم الخارجي؛ فقد يشعر الشخص المنبسط بالحيوية خلال الحفلات أو النقاشات الجماعية أو لقاء أشخاص جدد. أما الانفتاح فيعكس الميل إلى الفضول والخيال وتقبل الأفكار والتجارب الجديدة، بينما يرتبط الضمير الحي بالتنظيم والانضباط الذاتي والموثوقية والقدرة على التخطيط والوفاء بالالتزامات.


ويعبر التوافق عن التواضع والتعاطف والتعاون والثقة والاهتمام بالآخرين، في حين تشير العصابية إلى سرعة الاستجابة الانفعالية والميل إلى الشعور بالقلق والتوتر والتهيج والمشاعر السلبية. وقد يتفاعل الشخص الذي ترتفع لديه العصابية بقوة مع عدم اليقين، أو يعيد التفكير مرارًا في محادثة صعبة، أو ينشغل بما قد يحدث بصورة سلبية.


الضغط النفسي يعيد تشكيل التعبير عن الشخصية


شملت الدراسة الأولى نحو 800 بالغ، ووزع الباحثون المشاركين عشوائيًا بين مجموعتين. خاضت المجموعة الأولى مهمة ضاغطة تضمنت الإجابة عن أسئلة صعبة تحت ضغط الوقت، والخضوع لمراقبة الأداء، وتلقي ملاحظات سلبية حول نتائجهم، بينما شاركت المجموعة الأخرى في حالة ضابطة لا تنطوي على الضغط نفسه. وأجاب جميع المشاركين عن أسئلة تقيس السمات الشخصية الخمس قبل المهمة وبعدها.


سعى الباحثون إلى معرفة ما إذا كانت تجربة الضغط النفسي تغير درجات الشخصية عند مقارنة النتائج قبل التعرض للضغط وبعده، إضافة إلى بحث الطريقة التي يؤثر بها الضغط في التعبير عن السمات الشخصية.


وأظهرت الدراستان أدلة متسقة على ارتباط الضغط النفسي بتحولات واضحة في حالات الشخصية. وأصبح الأشخاص تحت الضغط أقل انبساطًا وتوافقًا وضميرًا حيًا وانفتاحًا، بينما ارتفعت لديهم العصابية. وبعبارة أخرى، قد يصبح الإنسان تحت الضغط أقل ميلًا إلى التفاعل الاجتماعي، وأقل تنظيمًا، وأقل موثوقية في أداء مهامه.


وسجلت العصابية أكبر تحول بين السمات الخمس، إذ دفع الضغط الأشخاص إلى الاستجابة الانفعالية بصورة أكبر، واختبار المشاعر السلبية بدرجة أكثر حدة، واستغراق وقت أطول لاستعادة توازنهم الانفعالي.


لكن هل يظهر هذا التأثير في الحياة اليومية أيضًا، أم أنه مجرد نتيجة لظروف المختبر؟


للإجابة عن هذا السؤال، أجرى فريق البحث دراسة أخرى في الحياة الواقعية، إذ تابع 713 طالبًا أجابوا عن استبيانات قصيرة أربع مرات يوميًا على مدار أسبوعين، ما أنتج 17,853 لقطة من حياتهم اليومية.


وأظهرت البيانات أن الطلاب، في اللحظات التي شعروا فيها بضغط أكبر، أصبحوا أكثر هدوءًا وأقل لطفًا ومراعاة للآخرين، كما زادت لديهم مشاعر القلق وسرعة الانزعاج مقارنة باللحظات التي شعروا فيها بهدوء أكبر.


لكن سمة واحدة خرجت عن هذا النمط، إذ ارتبط الضغط النفسي في الحياة اليومية بارتفاع الفضول بدلًا من انخفاضه. وفسر الباحثون ذلك بأن المشاركين كانوا طلابًا، وأن أكثر ساعاتهم ضغطًا ارتبطت بالدراسة، وهي الفترة نفسها التي يرتفع فيها الفضول والرغبة في التعلم.


وهذا يعني أن الضغط الناتج عن الجلوس في قاعة امتحان لا يشبه بالضرورة الضغط الناتج عن تقييم الأداء الوظيفي. فالسمات التي تتغير وطريقة تغيرها تعتمد على طبيعة الظروف التي تفرض الضغط.


لماذا يغير الضغط النفسي سلوك الإنسان؟


يستجيب الدماغ والجسم تحت الضغط لارتفاع عاجل في المتطلبات البيولوجية، فتضيق دائرة الانتباه، وتتجه الطاقة نحو مناطق مرتبطة بالفعل والاستجابة. ويعيد الجسم تنظيم عملياته بما يخدم اكتشاف التهديدات وحماية الإنسان، وهي آلية تعمل لمصلحته وليست ضده.


وقد تعكس بعض التحولات المؤقتة في الشخصية إعادة توزيع للموارد. فعندما يحتاج الإنسان إلى التعامل مع تهديد أو موقف ضاغط، قد يوجه دماغه وطاقته نحو التعامل مع مصدر الضغط، ما يترك مساحة أقل لبعض أنماط السلوك التي تظهر في الظروف الطبيعية.


وتوضح هذه الفكرة سبب أهمية التمييز بين الشخصية المستقرة و«حالة الشخصية» المؤقتة. فقد يكون الإنسان في العادة دافئًا وفضوليًا ومنظمًا وموثوقًا، لكنه يدخل مقابلة عمل بعد قضاء 40 دقيقة في زحام المرور وتلقي مكالمة هاتفية مزعجة. في هذه الحالة، قد لا يرى المحاور الشخصية المعتادة للمتقدم، بل يرى نسخة منها أعاد النصف ساعة السابقة تشكيلها.


ومع ذلك، قد يفسر المحاور هذا السلوك باعتباره جزءًا ثابتًا من شخصية الشخص، لأن البشر يميلون إلى بناء انطباعات أولى واتخاذ أحكام طويلة الأمد انطلاقًا من لحظات محدودة.


ولا تقتصر المشكلة على مقابلات العمل. فقد يحدث الأمر نفسه خلال العشاء الأول مع والدي الشريك، أو اللقاء الأول مع عميل جديد، أو محادثة مع مراهق تأتي في المساء نفسه الذي انهار فيه مشروع مهم.


وفي كل هذه الحالات، قد يستخلص شخص حكمًا دائمًا من حالة مؤقتة.


كيف نتعامل مع أنفسنا والآخرين تحت الضغط؟


تقترح نتائج البحث حماية اللحظات المهمة في الحياة من تأثير الضغط السابق عليها. فإذا كان بالإمكان وضع فترة فاصلة بين التعرض لموقف ضاغط وإجراء محادثة مهمة أو خوض مقابلة عمل، فقد يكون من المفيد استغلالها لاستعادة الهدوء.


وقد يساعد القيام بنزهة قصيرة بعد موقف ضاغط وقبل مقابلة عمل، على سبيل المثال، في الفصل بين السمات الشخصية المعتادة والنسخة المشوهة مؤقتًا بفعل الضغط.


كما ينبغي النظر إلى الأيام السيئة التي يمر بها الآخرون باعتبارها حالات مؤقتة، لا أحكامًا نهائية على شخصياتهم. فعندما يتعامل شخص معك بحدة، قد تكون أمام نقطة واحدة ضمن نطاق واسع من سلوكه، لا أمام جوهر شخصيته.


ولهذا قد يكون السؤال الأكثر فائدة ليس «من يكون هذا الشخص؟»، بل «ماذا يحدث لهذا الشخص الآن؟».


ويحذر هذا المنظور من السماح لحالة واحدة شاذة بإفساد فرصة تكوين صداقة جيدة أو إقامة علاقة مهنية ناجحة. فقد يكشف السلوك الذي يظهر خلال لحظة ضغط عن حالة انفعالية مؤقتة أكثر مما يكشف عن الشخصية المستقرة.


وينطبق الأمر نفسه على نظرة الإنسان إلى قراراته وتصرفاته تحت الضغط. فمن المفيد أن يلاحظ الظروف التي أحاطت به عندما كوّن رأيًا أو اتخذ قرارًا، بدلًا من التعامل مع ذلك القرار باعتباره انعكاسًا نهائيًا لشخصيته.


ومع ذلك، يضع الباحثون حدًا مهمًا لنتائج الدراسة؛ فقد التقط البحث لحظات قصيرة، ولم يتابع الأشخاص على مدى سنوات. لذلك لا تزال مسألة ما إذا كانت حالات الضغط المتكررة يمكن أن تتحول في النهاية إلى سمات شخصية مستقرة سؤالًا مفتوحًا يحتاج إلى مزيد من البحث.


لكن الخلاصة الفورية تبدو واضحة: لا يكشف الضغط النفسي بالضرورة عن شخصية الإنسان الحقيقية، بل قد يقدم صورة مؤقتة التقطتها الظروف في إضاءة سيئة.


وتشير هذه النتيجة إلى ضرورة توخي الحذر عند الحكم على الآخرين أو على أنفسنا بناءً على التصرفات التي تظهر خلال الأزمات. فالشخصية ليست لقطة واحدة، وما نراه في أكثر لحظات الإنسان ضغطًا قد لا يمثل الصورة الكاملة له.

 

https://www.psychologytoday.com/us/blog/neuroscience-in-everyday-life/202608/stress-doesnt-reveal-your-true-self-it-edits-it